ابن عربي

10

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

وفي كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السماء : أن أبشروا ، فقد آن لأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا . قال : وبقي في بطن أمه تسعة أشهر كملا لا تشكو وجعا ولا ريحا ولا مغصا ، ولا ما يعرض للنساء من ذوات الحمل ، وهلك أبوه عبد اللّه وهو في بطن أمه ، فقالت الملائكة : إلهنا وسيدنا ، يبقى نبيك هذا يتيما . فقال اللّه عز وجل للملائكة : أنا له وليّ وحافظ ونصير وتبركوا بمولده ميمونا مباركا ، وفتح اللّه عز وجل لمولده أبواب السماء وجنّاته . فكانت أمه تحدث عن نفسها وتقول : أتاني آت حين مرّ لي من حمله ستة أشهر ، فوكزني برجله في المنام ، وقال لي : يا آمنة ، إنك قد حملت بخير العالمين طرّا ، فإذا ولدتيه فسميه محمدا ، واكتمي شأنك . قال : فكانت تحدث عن نفسها فتقول : لقد أخذني ما يأخذ النساء ، ولم يعلم بي أحد من القوم ذكرا ولا أنثى ، وإني لوحيدة في المنزل ، وعبد المطلب في طوافه ، قالت : فسمعت وجبة شديدة ، وأمرا عظيما ، فهالني ذلك ، وذلك يوم الاثنين ، فرأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي ، فذهب عني كل رعب وكل فزع ووجع ، كنت أجد ، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا ، وكنت عطشى ، فتناولتها ، فشربتها ، فأضاء مني نور عال ، ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال ، كأنهن من بنات عبد مناف ، يحدقن بي ، فبينما أنا أعجب من ذلك ، وأقول : وا غوثاه ، من أين علمن بي هؤلاء ؟ واشتد بي الأمر ، وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول ، فإذا أنا بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض ، وإذا قائل يقول : خذوه عن أعين الناس . قالت : ورأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة ، وأنا أرشح عرقا كالجمان ، أطيب ريحا من المسك الأذفر ، وأنا أقول : يا ليت عبد المطلب قد دخل عليّ ، وعبد المطلب ناء عني ، قالت : فرأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي ، مناقيرها من الزمرد ، وأجنحتها من الياقوت ، فكشف اللّه عن بصري ، فأبصرت ساعتي تلك مشارق الأرض ومغاربها ، ورأيت ثلاثة أعلام مضروبة : علما في المشرق ، وعلما في المغرب ، وعلما على ظهر الكعبة ، فأخذني المخاض ، واشتد بي الأمر جدا ، فكنت كأني مستندة إلى أركان النساء ، وكثرن عليّ حتى إني لا أرى معي في البيت أحدا ، وأنا لا أرى شيئا ، فولدت محمدا صلى اللّه عليه وسلم . فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه ، فإذا هو ساجد قد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل ، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء نزلت حتى غشيته ، فغيّب عن وجهي ، فسمعت مناديا ينادي ويقول : طوفوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم شرق الأرض وغربها ، وأدخلوه البحار كلها ليعرفوه باسمه ونعته وصورته ،